الرضا والغضب بين الذات والقيم

 

أخرج البخاري في صحيحه عن رسول الله أنه قال: «فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي»[1] .

وجاء في عدد من مصادر الحديث السنية والشيعية عن رسول الله أنه قال: «إِنَّ اَللَّهَ يَغْضَبُ لِغَضَبِ فَاطِمَةَ وَيَرْضَى لِرِضَاهَا»[2] .

الرضا والغضب شعوران يعيشهما كلّ إنسان في كلّ يوم من حياته. نرضى عن أشياء ونغضب من أخرى، في البيت وفي العمل وفي الطريق وعلى شاشات الهواتف. ولا يكاد يمرّ يوم على أحدنا دون أن يرضى مرة ويغضب مرة.

فحين تلقى احترامًا من شخص أو يقدم لك خدمة، فإنك تشعر بالرضا عنه، وتُعبّر عن ذلك بشكره والثناء عليه ومكافأته.

في المقابل لو أساء إليك شخص واعتدى على شيءٍ من حقوقك، فإنك ستغضب منه وتندفع للرد على إساءته وعدوانه.

كما يرتاح الإنسان ويشعر بالرضا تجاه أيّ حدث أو ظرف يؤدي إلى خدمة شيءٍ من مصالحه وينسجم مع رغباته. بينما يشعر بالانزعاج والغضب عند حدوث ما يسبب إضرارًا بشيءٍ من مصالحه ورغباته.

النفع الذاتي دافع للرضا والغضب

وهكذا فإنّ تحقّق المنفعة الذاتية أو تضررها، هي الدافع الأساس لحالتي الرضا والغضب، وهي نزعة طبيعية ناتجة عن حب الذات والسعي لحمايتها.

لكن على الإنسان أن يكون موضوعيًا ومنضبطًا في حالتي الرضا والغضب لذاته، فلا يكون مثاليًا في رضاه، لا يكاد يرضيه شيء، يبالغ في توقعاته من الآخرين، فلا يرضيه إلّا مستوى مثالي من تعاملهم، أو ما لا تتحمله ظروفهم وإمكاناتهم، ولا يكون نرجسيًا في سرعة غضبه، ينفعل لأدنى تصرف لا يستحق الانفعال، أو يجرح كبرياءه النقدُ والاعتراضُ.

وحين يرضى أو يغضب فإنّ عليه ألّا يبالغ في ردّ فعله، ولا يتعدّى الحدود المشروعة.

ورد عن الإمام جعفر الصادق : «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ الَّذِي إِذَا غَضِبَ لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ مِنْ حَقٍّ، وَإِذَا رَضِيَ لَمْ يُدْخِلْهُ رِضَاهُ فِي بَاطِلٍ»[3] .

الدافع القيمي

هناك دافع آخر لحالتي الرضا والغضب، أرقى من النفع الذاتي، وهو الدافع القيمي، حين لا يقلّ اهتمام الإنسان بتحقق القيم النبيلة وحمايتها في الواقع الاجتماعي عن اهتمامه بمنافعه الذاتية، فيشعر بالسرور والرضا لوجود أيّ مظهر للخير والصلاح ويسعى لتكريسه وتعزيزه، كما يغضبه حدوث أيّ انتهاك للقيم الأخلاقية والمبادئ الدينية، ويبادر إلى الإصلاح والتغيير ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

وإذا كان الرضا والغضب لمنفعة الذات وحمايتها أمر طبيعي مبرر، فإنّ الرضا والغضب لصالح القيم والمبادئ مطلوب وضروري، لتعزيز البعد الإنساني والأخلاقي في شخصية الإنسان، حتى لا يعيش اللامبالاة تجاه القيم والمبادئ، فإنه إذا فقد أفراد المجتمع اهتمامهم القيمي، انهار النظام الأخلاقي وتفشى الظلم والفساد.

محورية الدافع القيمي

كلما ارتفع مستوى الوعي القيمي والالتزام الأخلاقي عند الإنسان، انخفض لديه الدافع الذاتي إلى الرضا والغضب، وارتقى بمشاعره وأحاسيسه للتمحور حول الدافع القيمي، وهو ما تعبّر عنه النصوص الدينية بعنوان: الحب في الله، والبغض في الله، والغضب لله.

ورد عن رسول الله : «مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ»[4] .

وجاء عن أمير المؤمنين علي : «ومَنْ شَنِئَ الْفَاسِقِينَ وغَضِبَ لِلَّه غَضِبَ اللَّه لَه - وأَرْضَاه يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[5] .

وجاء في وصف رسول الله أنه: (لا تُغْضِبُهُ الدُّنْيَا، وَلا مَا كَانَ لَهَا، فَإِذَا تُعُدِّيَ الْحَقُّ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ، وَلا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ، وَلا يَنْتَصِرُ لَهَا)[6] .

وورد عن الإمام الحسين بن علي أنه قال: «رِضَى اللَّهِ رِضَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ»[7] .

رضا الزهراء وغضبها

من هنا يمكننا أن نفهم ونستوعب ما ورد عن رسول الله في حقّ ابنته فاطمة الزهراء أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْضَبُ لِغَضَبِ فَاطِمَةَ وَيَرْضَى لِرِضَاهَا»[8] .

وعنه : «فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي»[9] .

إنّ فاطمة، كأبيها رسول الله ، إذا غضبت فإنّ غضبها لله حينما ترى مخالفة للحقّ، وانحرافًا عن العدل، وانتهاكًا لحرمات الله، وإذا رضيت فإنّ مبعث رضاها ليس منفعة شخصية، وإنما لمصلحة الرسالة والأمة، فيتطابق حينئذٍ رضاها مع رضا الله ورسوله، وغضبها مع غضب الله ورسوله.

إنّ فاطمة الزهراء بلغت من صفاء النفس وصدق الإيمان درجة صار معها رضاها علامة على رضا الله، وغضبها علامة على غضب الله. ولا يمكن أن يكون ذلك إلّا إذا كان رضاها وغضبها خاليين من الهوى، منضبطين بالحق، تابعين لما يحبه الله ويكرهه. وهذا ما تعنيه الطهارة والعصمة التي اختصّ الله بها أهل البيت .

يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [سورة الأحزاب، الآية: 33].

لماذا غضبت الزهراء؟

وحين يتحدث المؤرخون، وتنقل النصوص الثابتة أنها غضبت على انتزاع فدك منها، بعد وفاة أبيها رسول الله ، فلا يُحتمل أن يكون غضبها منطلقًا من دافع ذاتي، لأنها فقدت قطعة أرض واسعة ومزرعة كبيرة، خاصة وأنها تعلم أنها راحلة عن الحياة سريعًا بعد وفاة أبيها، كما أخبرها بذلك. فلماذا غضبت إذًا؟ ثم هل ينطبق على غضبها هذا أنّ الله ورسوله يغضبان لغضبها أم لا؟ هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه، ومن الأحاديث النبوية الثابتة التي سبق ذكر بعضها يتضح الجواب عنه.

ونكتفي بنقل حديث يشير إلى عمق معاناة الزهراء التي أثارت غضبها، ذكره ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري، أنّ رسول الله قال لفاطمة قبيل وفاته: «أَحْسَبُ أَنِّي مَيِّتٌ فِي عَامِي هَذَا، وَإِنَّهُ لَمْ تُرْزَأْ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مِثْلَ مَا رُزِئْتِ، فَلَا تَكُونِي دُونَ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ صَبْرًا»[10] .

لقد رحلت بضعة النبي عن الدنيا في ريعان شبابها، وكانت غاضبة بعد أن تحمّلت أشدّ الرزايا والمصائب، وعبّرت عن عميق ألمها بما روي عنها أنها كانت تأتي قبر أبيها وتأخذ قبضة من ترابه وتضعها على عينيها وتبكي وهي تقول:

مـاذا عَلَى مُشتَمِّ تُرْبَة َ أَحْمَدٍ           أن لا يَشَمَّ مدى الزمانِ غواليا

صـبّت عـليَّ مُصيبَةٌ، لو أنها           صُبَّتْ على الأيامِ عدنَ لياليا[11] 

 

مصادر الخطبة:

1. ابن طاووس، السيد رضي الدين علي بن موسى، اللهوف في قتلى الطفوف، أنوار الهدى، قم، ط1، 1417هـ.

2. الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها، المكتب الإسلامي، بيروت، ط4، 1405هـ.

3. البخاري، الإمام محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1999م.

4. الترمذي، محمد بن عيسى، الشمائل المحمدية، مكتبة نظام يعقوب، البحرين، ط5، 2012م.

5. الحاكم النيسابوري، محمد بن عبدالله، المستدرك على الصحيحين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1990م.

6. الحنبلي، عبدالله بن أحمد بن قدامة، المغني، دار الحديث، القاهرة، ط1، 1425هـ.

7. الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1967م.

8. الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه القمي، عيون أخبار الرضا، مؤسسة الأعلمي للطباعة، بيروت، ط1، 1404هـ.

9. العسقلاني، أحمد بن علي بن حجر، فتح الباري بشرح البخاري، دار السلام، الرياض، ط1، 1418هـ.

10. الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.

 

خطبة الجمعة 12 جمادى الأولى 1448هـ الموافق 23 أكتوبر 2026م.

[1]  صحيح البخاري، ح3714.
[2]  عيون أخبار الرضا، ج2، ص29، ح6. وفي المستدرك على الصحيحين، ج3، ص167، ح4730، عن علي أنه قال لفاطمة: «إِنَّ اللَّهَ يَغْضَبُ لِغَضَبِكِ وَيَرْضَى لِرَضَاكِ».
[3]  الكافي، ج2، ص233، ح11.
[4]  سلسلة الأحاديث الصحيحة، ح380.
[5]  نهج البلاغة، حكمة رقم: 31.
[6]  الشمائل المحمدية، باب كيف كان كلام رسول الله ، ص147، ح228.
[7]  اللهوف في قتلى الطفوف، ص126.
[8]  عيون أخبار الرضا، ج2، ص29، ح6. وفي المستدرك على الصحيحين، ج3، ص167، ح4730، عن علي أنه قال لفاطمة: «إِنَّ اللَّهَ يَغْضَبُ لِغَضَبِكِ وَيَرْضَى لِرَضَاكِ».
[9]  صحيح البخاري، ح3714.
[10]  فتح الباري في شرح صحيح البخاري، ج1، ص133.
[11]  المغني، ج3، ص308.