هدر الموارد الغذائية
يقول تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: 31].
أفاض الله تعالى على الإنسان نعمًا لا تحصى، ومن أعظمها نعمة الغذاء، لأنها ترتبط بحفظ الحياة واستمرارها، كما أنها مصدر الالتذاذ والاستمتاع للإنسان.
والقرآن الكريم لا يتحدث عن الطعام بوصفه حاجة للجسم ومصدرًا للتلذذ فحسب، بل يدعو الإنسان إلى التأمل في إيجاد هذا الطعام وفي مسيرة إنتاجه، وما قدّر الله تعالى من سنن وأسباب في الكون حتى يصل الطعام إلى موائد الناس.
قال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [سورة عبس، الآيات: 24-32].
الوعي بقيمة النعمة
إنّ هذه الآيات تريد أن تبني في الإنسان وعيًا بقيمة النعمة، وأنّ كلّ لقمة تصل إلى فمه تقف وراءها منظومة هائلة من العطاء الإلهي والجهد الإنساني. ولذلك فإنّ احترام الطعام ليس مجرد سلوك اقتصادي، بل هو تعبير عن الإيمان، وصورة من صور شكر المنعم سبحانه.
فهذا الأرز الذي نأكله مثلًا، يمرّ إنتاجه بسلسلة طويلة من المراحل المجهدة، بدءًا من الزراعة المائية المعقدة حيث تتطلب زراعته توفير كميات هائلة من المياه للري، مرورًا بتقنيات الحصاد، حيث يتم بعد نضوجه حصاده وتجفيفه بعناية، ثم يجهّز في أوعية مناسبة للتصدير، ثم تبدأ رحلة شحنه وتوزيعه وتسويقه، إضافة إلى الجهد الذي يبذل في طبخه وإعداده للأكل.
على الإنسان أن يتعامل بمسؤولية مع هذه النعمة، فلا يستهين بها ولا يهدرها، وإنما يستفيد منها الاستفادة المثلى، لأنّ أبناء نوعه شركاء معه فيها، وهدرها يعني تفويت فرصة انتفاع الآخرين بها.
التحذير من التبذير في الطعام
من هنا منع الدين الإسراف والتبذير في نعمة الطعام، وجميع النعم.
يقول تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: 31].
ويقول تعالى: ﴿... وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [سورة الإسراء، الآيتان: 26-27].
والإسراف هو الزيادة في الاستهلاك أكثر من الحاجة، أما التبذير فهو صرف النعمة فيما لا منفعة فيه، وكلا العنوانين ينطبقان على الهدر الغذائي الذي نشهده في حياتنا اليومية.
إنّ النصوص والتعاليم الدينية تحذّرنا من الإسراف، فهو مما يبغضه الله تعالى، ومن يمارسه لا يحبّه الله.
يقول تعالى: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [سورة غافر، الآية: 43].
وروي أَنّ رَسُولَ اللَّهِ
مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ
: «مَا هَذَا السَّرَفُ؟» فَقَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ؟ قَالَ
: «نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ»[1] .
وورد عن أمير المؤمنين علي
: «أَقْبَحُ اَلْبَذْلِ اَلسَّرَفُ»[2] .
وجاء في دعاء مكارم الأخلاق للإمام زين العابدين
: «وَامْنَعْنِي مِنَ السَّرَفِ، وَحَصِّنْ رِزْقِي مِنَ التَّلَفِ، وَوَفِّرْ مَلَكَتِي بِالْبَرَكَةِ فِيهِ»[3] .
وجاء عن الإمام جعفر الصادق
: «أَدْنَى اَلْإِسْرَافِ هِرَاقَةُ فَضْلِ اَلْإِنَاءِ»[4] .
وعنه
: «إِنَّ الْقَصْدَ أَمْرٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّ السَّرَفَ أَمْرٌ يُبْغِضُهُ اللَّهُ، حَتَّى طَرْحَكَ النَّوَاةَ، فَإِنَّهَا تَصْلُحُ لِلشَّيْءِ، وَحَتَّى صَبَّكَ فَضْلَ شَرَابِكَ»[5] .
وورد أنه
نَظَرَ إِلَى فَاكِهَةٍ قَدْ رُمِيَتْ مِنْ دَارِهِ، لَمْ يُسْتَقْصَ أَكْلُهَا، فَغَضِبَ وَقَالَ: «مَا هَذَا؟ إِنْ كُنْتُمْ شَبِعْتُمْ، فَإِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلنَّاسِ لَمْ يَشْبَعُوا، فَأَطْعِمُوهُ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ»[6] .
هدر الطعام ظاهرة خطيرة
إنّ المسألة ليست القيمة المادية للطعام الذي تهدره، مهما كانت زهيدة، وإنما في قيمة النعمة في وجدان الإنسان وشعوره بالمسؤولية تجاهها، ومدى قيامه بشكر النعمة.
والأمر الأخطر أن يصبح هدر النعمة سلوكًا متعارفًا لا يستوجب إنكارًا ولا يثير اعتراضًا، حتى تحوّل إلى ظاهرة تشكّل خطرًا على الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني والالتزام الأخلاقي.
وقد نشرت الصحافة المحلية في المملكة تقريرًا يوم الجمعة 17 يوليو 2026م لا يصح أن نمرّ عليه مرور الكرام.
في هذا التقرير يقدّر الهدر الغذائي في المملكة بما يتجاوز 47 مليار ريال سنويًا. ووفقًا للتقديرات يهدر الفرد في المملكة 184 كيلو جرامًا من الغذاء سنويًا. وأصبحت المملكة في صدارة الدول المستهلكة عربيًا وعالميًا، والأكثر هدرًا في بعض أصناف الطعام، فنحو ثلث الأرز المستهلك يهدر، ونحو 29% من اللحوم تلقى في النفايات.
وتفيد الدراسات المسحية التي أعدّها البرنامج الوطني للحدّ من الفقد والهدر الغذائي "لتدوم"، أنّ المنازل يهدر فيها 48% من إجمالي الغذاء والماء في الأيام الاعتيادية، لكنّ هذه النسبة تصل إلى 60% في الأعياد الدينية وحفلات الزواج والعزومات العائلية[7] .
وكشف محافظ الهيئة العامة للأمن الغذائي في السعودية، المهندس أحمد الفارس، أنّ سلع الغذاء على غرار الأرز والدقيق والخبز، واللحوم الحمراء، والدواجن والأسماك، إضافة إلى الخضراوات والفاكهة، تُعدّ أبرز أنواع المنتجات الغذائية التي تشهد نسب هدرٍ عالية في السعودية[8] .
ونشير إلى بعض مظاهر وصور هدر الطعام في مجتمعاتنا.
1. شراء ما يزيد على الحاجة من الطعام، وخاصة ما يفسد ببقائه مدة دون استهلاك.
2. إعداد طعام يزيد على الحاجة، ثم رميه في القمامة، وعدم الترتيب للاستفادة من باقي الطعام، بأن تكون طريقة تناول الطعام مناسبة لحفظ ما تبقى منه، وأن يحفظ في مكان مناسب لا يتلف، وأن يستفاد منه فيما بعد.
أصدرت الهيئة العامة للغذاء والدواء دليلًا إرشاديًا يوضح مدة حفظ المواد الغذائية الشائع تناولها، وجاء فيه: يمكن حفظ الطعام المطبوخ وبواقي الوجبات في الثلاجة بأمانٍ تام لمدة تتراوح بين 3 إلى 4 أيام[9] .
3. المبالغة في الولائم والمناسبات، والطريقة التقليدية في تقديم الطعام فيها، وسوء التعامل مع نظام البوفيه المفتوح، حيث يملأ البعض أطباقهم بكميات من الطعام بكميات تفوق طاقتهم بكثير، ويهدر فيها آلاف من علب المياه التي يرتشف منها القليل ثم تلقى.
إنّ الكرم والسخاء في الضيافة مطلوب، وإكرام الضيف مما يحث عليه الإسلام، لكن لا يصح أن يتحول إلى حالة إسراف وتبذير.
ورد عن أمير المؤمنين علي
: «أَلَا وإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّه تَبْذِيرٌ وإِسْرَافٌ، وهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَه فِي الدُّنْيَا، ويَضَعُه فِي الآخِرَةِ، ويُكْرِمُه فِي النَّاسِ ويُهِينُه عِنْدَ اللَّه»[10] .
4. إنّ علينا أن نعوّد أنفسنا على حسن التعامل مع نعمة الطعام، وأن نربي عوائلنا وأبنائنا على ذلك، وأن نغرس في نفوسهم احترام النعم، وأنّ بقايا الطعام ليس شيئًا يستهان به، بحيث نحرص على عدم تلف وهدر أيّ قدرٍ من طعامنا.
مبادرات وطنية للحدّ من الهدر
الهدر الغذائي ظاهرة عالمية، حيث تؤكد أرقام البنك الدولي أنّ هناك مليار وجبة يوميًا ألقيت في سلة النفايات سنة 2025م.
بينما يئنّ مئات الملايين في العالم من الجوع الذي يهدد حياتهم، وفقًا لتقرير الأمم المتحدة عن الغذاء، عانى نحو 645 مليون شخص من الجوع في عام 2025م[11] .
وقد أطلقت المملكة برنامجًا وطنيًا للحدّ من الفقد والهدر الغذائي من سنة 2017م، بعنوان (لتدوم)، الذي نجح عبر تطبيقاته الرقمية من الربط الفوري بين فائض طعام الفنادق والمطاعم، وبين جمعيات حفظ النعمة، ما أسهم في تحقيق وفر مالي بلغ مليارات الريالات سنويًا.
وقد تأسست عام 2011م في الدمام جمعية أهلية متخصصة بالغذاء كأول بنك للطعام في المملكة منطقة الخليج تحت اسم (إطعام)، جمعية بنك الطعام السعودي، لها فروع في أنحاء المنطقة الشرقية وغيرها. حققت نجاحًا في مجال حفظ النعمة وإيصال فائضها إلى العوائل المحتاجة، وكان قد أنشئ في محافظة القطيف فرع لهذه الجمعية، لكنه أغلق بسبب ضعف التفاعل والتجاوب، ونتمنى إعادة تأسيس هذا الفرع في القطيف، وأن يبادر الواعون من أبناء المحافظة لذلك.
إنّ الفاقد والمهدر من الأغذية يُقوّضان استدامة نظمنا الغذائية. فعندما يُفقد الغذاء أو يُهدر، تُهدر معه الموارد التي استُخدمت لإنتاجه، من مياه وأراضٍ وطاقة وعمالة ورأسمال. كما أنّ التخلص من الفاقد والمهدر في مدافن النفايات يؤدي إلى انبعاث غازات دفيئة تساهم في تغيّر المناخ. وإلى جانب ذلك، يؤثر الفاقد والمهدر سلبًا في الأمن الغذائي وتوافر الأغذية، ويساهم في ارتفاع تكلفتها[12] .
- مصادر الخطبة:
1. ابن ماجة، الحافظ محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجه، بيروت، دار الرسالة العالمين، ط1، 1430هـ.
2. الآمدي، عبدالواحد التميمي، غرر الكلم ودرر الكلم، دار الهادي للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1413ﻫ.
3. الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط1، 1967م.
4. صحيفة الاقتصادية (السعودية).
5. صحيفة اليوم (السعودية).
6. صحيفة سبق الإلكترونية.
7. الصفار، حسن (إعداد وتقديم)، صحيفة زين العابدين الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب
، أطياف للنشر والتوزيع، القطيف، ط2، 2024م.
8. العربية نت.
9. الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4، 1407هـ.
10. المغربي، القاضي النعمان، دعائم الإسلام، مؤسسة النور للمطبوعات، بيروت، ط1، 1426هـ.
11. موقع الأمم المتحدة (https://www.un.org/).






