الشيخ الصفار: استحضار عاشوراء يثري وجدان الانسان، بالتطلع للقيم السامية

 

قال سماحة الشيخ حسن الصفار: إن وظيفة الاستحضار الدائم لعاشوراء، هي إثراء وجدان الانسان، بالتطلع للقيم السامية، كقيمة الحرية والعدالة والكرامة والبطولة والثبات والتضحية والوفاء.

وتابع: إن المواقف البطولية التي سجلها الإمام الحسين وأصحابه لا تُستعاد بوصفها أحداثًا ماضية، بل باعتبارها نماذج حية توقظ الضمير وتبعث الإرادة الأخلاقية في مواجهة الانحراف والظلم.

جاء ذلك ضمن خطبة الجمعة 18 محرم 1448هـ الموافق 3 يوليو 2026م، في مسجد الرسالة بالقطيف شرقي السعودية بعنوان: عاشوراء إثراء الوجدان الإنساني.

وأوضح سماحته أن إظهار الحزن والأسى في ذكرى عاشوراء يمثل أحد أهم معالم إحياء المناسبة لدى أتباع أهل البيت .

واستند إلى ما ورد عن النبي وأئمة أهل البيت من نصوص وروايات تحث على البكاء واستحضار المأساة الحسينية، بوصفه تعبيرًا وجدانيًا يرسّخ القيم ويصون الذاكرة الإسلامية من النسيان والتزييف.

وتابع: إن البكاء على الإمام الحسين ليس مجرد ممارسة عاطفية عابرة، بل هو امتداد لسنة نبوية أصيلة.

وأشار إلى الروايات التي نقلت بكاء رسول الله على ما سيجري على سبطه الحسين منذ طفولته، وإلى ما تواتر من مواقف أئمة أهل البيت في إظهار الحزن والاستماع إلى مراثي الشعراء وتشجيعها، حتى أصبحت هذه الشعيرة إرثًا روحيًا متجذرًا توارثته الأجيال.

وبيّن أن الجدل حول مشروعية إحياء عاشوراء قديم ومعروف، إلا أن الأهم هو النظر إلى الأبعاد النفسية والاجتماعية لهذه الظاهرة، وما تتركه من آثار عميقة في بناء الإنسان والمجتمع.

وأضاف أن إحياء عاشوراء أسهم تاريخيًا في مواجهة محاولات التعتيم الأموي على فاجعة كربلاء، لكنه تجاوز تلك الوظيفة التاريخية ليصبح مدرسة دائمة لتغذية الوجدان الإنساني بالقيم العليا.

ولفت إلى أن الاستحضار المتكرر لمشاهد كربلاء يرسّخ في النفوس معاني الحرية والعدالة والكرامة والثبات والتضحية والوفاء، ويجعل الإنسان أكثر استعدادًا لتجسيد هذه المبادئ في سلوكه الفردي والاجتماعي.

وتوقف الشيخ الصفار عند نماذج إنسانية مؤثرة من واقعة الطف، ومنها قصة الشاب الذي خَرَجَ للحرب بعد شهادة ابيه بإذن أمه دفاعًا عن الإمام الحسين وهُوَ يَقولُ:

أميري حُسَينٌ ونِعمَ الأَميرُ
سُرورُ فُؤادِ البَشيرِ النَّذيرِ
علي وفاطمة والداه
فَهَل تَعلَمونَ لَهُ مِن نَظيرِ؟

واعتبر أن هذه الصور الملهمة تعكس عمق الإيمان والوفاء، وتغرس في الوجدان الجمعي معاني الفداء والإيثار التي تتجاوز حدود الزمان والمكان.

وأكد أن الحزن على مصائب أهل البيت يوسّع دائرة التعاطف الإنساني ويعمّق الانجذاب إلى أصحاب المواقف النبيلة، فيتحول الأبطال والشهداء إلى أيقونات أخلاقية ملهمة، فيما ينمّي في المقابل حالة النفور من الظلم والطغيان وكل أشكال انتهاك الكرامة الإنسانية.

وفي هذا السياق، استعرض بعض المشاهد القاسية التي وردت في المصادر التاريخية بشأن التعامل الوحشي مع رؤوس الشهداء.

وأبان أن استحضار تلك الممارسات لا يهدف إلى اجترار الألم لذاته، وإنما إلى تعزيز الحساسية الأخلاقية تجاه الجريمة، وترسيخ الرفض المطلق لكل صور الاستبداد والعنف والإذلال.

وشدد على أن من يبكي تأثرًا بمظلومية الإمام الحسين وأهل بيته، ينبغي أن يترجم هذا التأثر إلى حصانة نفسية تحول بينه وبين ممارسة أي ظلم مشابه.

وتابع: إن دموع عاشوراء ليست انفعالًا سلبيًا، بل طاقة أخلاقية تسهم في بناء الضمير الإنساني وصناعة المناعة ضد الانحراف والاعتداء على حقوق الآخرين.

ومضى يقول: إن الاستحضار الدائم لعاشوراء كان أحد أهم العوامل التي أسهمت في ترسيخ ثقافة المقاومة ورفض الظلم في تاريخ الأمة، حيث استلهمت منها الثورات والحركات الإصلاحية قيمها وشعاراتها، وأصبحت كربلاء مصدر إلهام للأحرار من مختلف المذاهب والأمم.

وتأكيدًا على البعد الإنساني الجامع لرسالة الحسين، أشار الشيخ الصفار إلى قصيدة بعنوان «الحسين حكاية إنسان» نشرها الأكاديمي السني الدكتور هاني الملحم، والتي احتفت بالإمام الحسين بوصفه رمزًا خالدًا للكرامة والإصلاح.

واستشهد بمقالة للأكاديمي الإباضي الدكتور إبراهيم بن سالم السيابي بعنوان «كربلاء.. حين تتحول الذكرى إلى رسالة»، والتي أكدت أن كربلاء لم تعد مجرد حادثة تاريخية، بل رسالة أخلاقية متجددة تحفظ للأمة ذاكرتها وقيمها الكبرى.

وبين أن عاشوراء ليست استغراقًا في الحزن بقدر ما هي استنهاض للوعي الإنساني، وأن دموعها الصادقة تظل جسرًا يربط الأجيال بقيم الحرية والعدالة والوفاء، لتبقى رسالة الإمام الحسين حاضرة في الضمير الإسلامي والإنساني على السواء.