في ضيافة السيد هاشم الشخص
أدباء ومثقفون يحتفون بالشيخ الصفار وأثره في بناء الوعي المجتمعي
ضمن مأدبة كريمة أقامها الشاعر الوجيه السيد هاشم الشخص في منزله بسيهات مساء يوم الثلاثاء 19 شوال 1447هـ الموافق 7 أبريل 2026م، احتفى عدد من الشعراء والمثقفين بضيف اللقاء سماحة الشيخ حسن الصفار، مسلطين الضوء على أثره في بناء الوعي المجتمعي، وترسيخ ثقافة الحوار والانفتاح، ومشيدين بما قدّمه من عطاءٍ متواصل عبر عقود.
محمود المؤمن
وقد بدأ اللقاء بكلمة للشاعر محمود المؤمن احتفاءً بمسيرة سماحة الشيخ حسن الصفار، ومشيدًا بدوره العلمي والاجتماعي، ومكانته البارزة في ساحة الفكر والثقافة.
واستهلّ المؤمن كلمته بأبيات شعرية عبّرت عن عمق التقدير:
في راحتيهِ العلمُ والإيثارُ وبنبضِهِ الشغفُ الكبيرُ يُدارُ
يُثري النُّهى بالجودِ من عذبِ النَّدى وبسقفِ همَّتهِ السموُّ يَغارُ
ذابتْ بهِ الأحساءُ حبًّا والقطيفُ بهِ احتفتْ وامتدَّتِ الأنوارُ
أدلى بحُسنٍ في المسمّى والصفاتِ فلا يُمارى أنَّهُ (الصفَّارُ)
وأكد الشاعر في كلمته أن الشيخ الصفار يجسّد معنى (العالم العامل)، الذي لا يكتفي بالتنظير، بل يحوّل المعرفة إلى حركةٍ فاعلة في المجتمع.
وأشار إلى إسهامات الشيخ الصفار الواسعة في إثراء المكتبة الإسلامية، بما يزيد على 170 مؤلفًا، تعكس عقليةً منفتحة على الفكر المعاصر، ورؤيةً واعية تستقرئ الواقع بعمقٍ وبصيرة.
ولفت إلى أن الشيخ الصفار نجح في كسر حواجز العزلة التي قد تحيط ببعض النخب العلمية، مؤمنًا بأن العالم الحقيقي هو من ينخرط في قضايا مجتمعه، وينفتح على الحوار، ويُسهم في تعزيز قيم الاعتدال والوحدة.
الدكتور السيد عدنان الشخص
وضمن اللقاء تناول الدكتور السيد عدنان الشخص في كلمته الأدوار المحورية التي يضطلع بها العلماء في خدمة المجتمع، مؤكدًا أن هذه الأدوار يمكن اختصارها في ثلاثة محاور رئيسية تتكامل فيما بينها لصناعة الأثر المجتمعي.
وأوضح أن المحور الأول يتمثل في توجيه الناس وتقديم الخدمة العامة عبر التخصص العلمي؛ حيث يضطلع عالم الدين بدوره من خلال الخطاب الديني في المساجد والحسينيات واللقاءات المختلفة، فيما يقدّم الأستاذ الجامعي إسهاماته عبر المحاضرات والبحوث والمؤلفات، ليؤدي كلٌّ دوره في إطار اختصاصه لخدمة المجتمع.
وتابع: أما المحور الثاني، فإنه يتجسد في تقديم الاستشارات والتوجيهات الخاصة، إلى جانب المعالجات النوعية لبعض القضايا، مبينًا أن عالم الدين يسهم في إصلاح ذات البين ومعالجة الإشكالات الأسرية والمجتمعية، في حين يقدّم الأكاديمي استشارات علمية وبحوثًا تطبيقية لمعالجة مشكلات مرتبطة بتخصصه، كما يسهم الأدباء والشعراء في هذا الجانب عبر أدوارهم الثقافية.
وشدد في المحور الثالث، على أهمية تهيئة الكفاءات التي تواصل المسيرة، من خلال احتضان الطاقات وتوجيهها نوعيًا، سواء عبر رعاية طلبة الحوزة العلمية، أو دعم طلبة الدراسات العليا، بما يضمن استدامة العطاء العلمي والمعرفي.
وعند حديثه عن الشيخ الصفار، أكد أنه يمثّل نموذجًا متقدمًا في هذه المحاور الثلاثة، مشيدًا بخطابه الديني السلس والمؤثر، وحضوره الفاعل في مختلف المناسبات، إلى جانب اهتمامه بقضايا المجتمع وتصديه لمعالجة العديد من التحديات، فضلًا عن مشاركته المستمرة في المحافل الفكرية والثقافية.
واختتم كلمته بالإشادة بالحفل التكريمي، واصفًا إياه بالمحفل الراقي الذي يعكس وعي المجتمع بأهمية تكريم الشخصيات المؤثرة، مؤكدًا أن أصحاب الطاقات المتميزة يشكّلون رافعة نوعية لمجتمعاتهم، بما يقدّمونه من عطاءٍ بنّاء يسهم في نهضتها وتقدمها.
الشاعر فريد النمر
ثم ألقى الشاعر فريد النمر قصيدة بعنوان: سيرة لوهج المشكاة، قدم لها بمقدمة:
لصلوات الحب تلك السامقة المعنى، وهي تبث أريج معارفها ونفحاتها الملحة على المدى، سماء تجيد مباركة الحياة الأسمى، لكائنها الوجودي الأصيل
لسماحة المفكر العلامة الشيخ حسن بن موسى الصفار حفظه الله، وهو يشعل فتيل المحبة والإنسان في مجتمع القيمة والسلام.
ومما جاء في قصيدته:
ورد كوردك للهدى مشكاة وضياء حرفك للصلاة صلاة
ونوافل الحب التي وزعتها جهة اليقين ضميرها النفحات
**
يا مشعلا أهدى الحياة صفاته فنمت تشجّر روحه الخطرات
من حضن عاشوراء تنبت مهجة مرآتها من طفه هيهات
**
يا موطنًا للفكر رتلك المدى فتعاظمت في وجدك الآيات
فإذا حديثك وهو وجه فقاهة تخضر منه للحياة جهات
الشاعر جاسم المشرف
وألقى الشاعر جاسم المشرف كلمةً أدبية ثرية، سلّط فيها الضوء على ملامح شخصية الشيخ الصفار ودوره البارز في الحراك الفكري والديني والوطني.
وأكد المشرَّف أن الشيخ الصفار يُعد من أبرز الوجوه التي أسهمت في تأصيل هذا الحراك، لما يمتلكه من مقومات قيادية وفكرية نادرة، مشيرًا إلى أن خطابه بلغ النضج مبكرًا، وأنه عرف وجهته بوضوح، وأحسن توجيه مسيرته بثباتٍ واتزان، مهما اشتدت التحديات.
وبيّن أن استمرار العطاء المتوهج عبر مختلف مراحل الحياة ليس أمرًا شائعًا، بل هو سمةٌ تميز القلّة، واصفًا الشيخ الصفار بأنه من تلك النماذج الملهمة التي تحافظ على حضورها الفاعل والمتجدد، بما تملكه من دافعية داخلية وحرصٍ دائم على التطوير والمتابعة.
وأشار إلى أن شخصية الشيخ الصفار تتسم بالحيوية وعدم الجمود، فهو دائم الانشغال بما هو نافع، متسلحًا بسعة الأفق، وعمق المعرفة، وتراكم الخبرة، إلى جانب قوة حضوره وسمو أخلاقه، ما يجعله محل تقدير كل من يتعامل معه أو يتابع طرحه.
كما لفت إلى روحه المبادِرة وانفتاحه على مختلف الأطياف الفكرية والاجتماعية، حيث يحرص على تعزيز المشتركات، والتعامل مع نقاط الخلاف بواقعية واعتدال، دون مبالغة أو إقصاء، مؤكدًا أنه يجمع بين اللباقة في الطرح، والرفق مع المخالف، والحزم في المواقف.
وتطرّق المشرَّف إلى جانبٍ إنساني في شخصية الشيخ الصفار، يتمثل في تواضعه واعتماده على نفسه في شؤونه الخاصة، رغم كثرة محبيه والمحيطين به، إضافة إلى حضوره المجتمعي الفاعل، وسعيه الدؤوب لخدمة الناس وقضاء حوائجهم دون تمييز.
وأكد أن الشيخ الصفار يجسّد صورة “الوجيه” الذي يحمل هموم مجتمعه، ويوظف علاقاته ومكانته لخدمته، مشيرًا إلى أنه لا يتوانى في متابعة القضايا حتى إنجازها، رغم تعدد مسؤولياته.
وختم كلمته بالتأكيد على أن البناء الحضاري عملية تكاملية تقوم على تقدير مختلف الأدوار والكفاءات، مشددًا على أهمية نموذج “العالم العامل” الواعي بزمانه، إلى جانب بقية التخصصات، معتبرًا أن تجربة الشيخ الصفار تمثل رصيدًا معرفيًا جديرًا بالتأمل والاستفادة، لما تحمله من دروسٍ في الفكر والعمل والتجديد.
الشاعر أحمد اللويم
وعاد الشعر لينافس الكلمات بقصيدة للشاعر أحمد اللويم بعنوان: قلب لن يشيخ، جاء فيها:
أأبا زكي للقطيف تفاخر بك وهي من أخرى عليك تغار
وعليك لو يغضي الوفاء لأطبقت تلك القلوب كأنها الأسوار
ولأنذرتك من البعاد وإن قسا يومًا على معشوقها الإنذار
تلكم هي الأحساء ما برحت إلى وعد ضربت تشدها الأنظار
لو لوحة تبدو القطيف بديعة فلها من الأحساء كان إطار
أنت القطيف فلم تزل عنوانها وإليك عن أين القطيف يشار
الشيخ الصفار
وعبّر سماحة الشيخ حسن الصفار في كلمته عن موقفٍ إنساني يتكرّر في حياة كثيرين؛ بين ثناء الآخرين وإحساس الذات بالتقصير، مؤكدًا أن المديح، رغم ما يحمله من حسن ظنٍّ وأجرٍ لقائله، قد يُشكّل اختبارًا حقيقيًا للممدوح.
وأوضح سماحته أنه يقف بين طرفين؛ طرفٍ يُحسن الظنّ ويُغدق الثناء، مستحقًّا الأجر والمثوبة، وطرفٍ آخر يتمثّل في شعوره الداخلي بعدم الاستحقاق لما يُقال فيه من مدحٍ وإطراء.
واستحضر دعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَعْلَمُ مِنِّي بِنَفْسِي وَأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمْ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي خَيْراً مِمَّا يَظُنُّونَ وَاغْفِرْ لِي مِمَّا لَا يَعْلَمُونَ»، معتبرًا أن هذا الدعاء يشكّل منهجًا متكاملًا في التعامل مع المديح.
وبيّن أن المادح ينال الأجر إذا كان مدحه خاليًا من التملّق، إلا أن الممدوح يواجه خطر الافتتان بالنفس، مما يستدعي وعيًا دائمًا بحقيقة الذات، وأن ما يراه الناس ليس إلا جزءًا محدودًا منها، فيما تبقى العيوب والثغرات مستورة بعفو الله.
وأشار إلى أن كلمات الإمام علي
ليست مجرد دعاء، بل برنامج عملٍ أخلاقي يعيد الإنسان إلى ذاته وربّه، ويدعوه إلى مراجعة نياته وأعماله، والتساؤل الصادق: هل يسعى لنيل رضا الله، أم يكتفي بثناء الناس؟
وأكّد أن النجاة الحقيقية لا تتحقق بمدح الآخرين، بل بالإخلاص والعمل الصالح.
وشدد على أهمية أن يتحفّز الإنسان بحسن ظنّ الناس به، ليكون على قدر هذا الظنّ بل يتجاوزه، محذرًا من الوقوع في وهم الاكتفاء الذاتي الذي قد يصنعه المديح، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾.
ولفت إلى أن استحضار الآخرة، حيث تُكشف السرائر، كفيلٌ بأن يضبط سلوك الإنسان ويمنعه من الغرور، داعيًا إلى السعي لسدّ مواطن الضعف والعمل على إصلاحها قبل يوم الحساب.
وفي ختام كلمته، قدّم الشيخ الصفار شكره وامتنانه لكل من أثنى عليه، مثمنًا دعم الحضور ومشاعرهم الطيبة، ومؤكدًا أن أي إنجاز لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن بيئةٍ حاضنة ومجتمعٍ داعم.
وأعرب عن فخره بالمجتمع الذي احتضنه وشجّعه، مشيرًا إلى أن ما تحقق من إنجازات إنما هو ثمرة تعاون وتكافل بين أفراد المجتمع.
الوجيه السيد هاشم الشخص
وفي الختام ألقى راعي الحفل الشاعر السيد هاشم الشخص كلمة أشاد فيها بالدور البارز الذي يضطلع به سماحة الشيخ حسن الصفار في دعم الحركة الفكرية والأدبية والثقافية على مستوى المجتمع والوطن.
وأشاد بنهجه الوطني في الحرص على الأمن والاستقرار، وتعزيز الوحدة الوطنية، والتبشير الدائم بثقافة الاعتدال والانفتاح.
وأكد أن ما قيل في حق الشيخ الصفار من كلمات وقصائد يظل دون مستوى ما قدّمه من عطاءات وإنجازات، مشيرًا إلى محاولاته المتكررة لإقامة حفل تكريمي لسماحته، إلا أنه كان يعتذر عن ذلك.
وختم بأبيات شعرية جاء فيها:
اهدت إليك عيونها النظار وصغت لتطرب سمعها السمّارُ
هاجت صبابتها ومثلك طائر عشق الغنا وفؤاده الأوتار
قم ناغها إن اللقاء محببٌ فالطيب يعبق والشذا نوّار
ليس الغرام أو المدامة أسكرت كلا ولا رقصت هنا عشتار
إن القصائد كالقلائد زينت فدع التمنع هاهنا الأشعار












